.
.
.
حدثني صديق لي ثقة قال : حدثنا أبي عن قصة عشق من أعجب القصص وأغرب الأخبار – لو لم يكن صديقي هذا رواها عن والده الرجل الصادق الذي وقف عليها بنفسه لقلت هذا خيال ومحال – قصة اجتمع فيها خبر العشاق وأثر العشق ، والعفاف كخلق إسلامي عربي أصيل ، اندهشت واضطربت أن يكون بيننا عاشقين كخبر قيس وليلى ، ما يميز هذه القصة هو حبكتها كما يسميها الأدباء القاصون والرواة ، حب عذري وعشق حقيقي ممرض حد الموت ، سأدع لكم صديقي يحكي هذه اللوحة الرائعة من صور الحب الجميل العفيف :
كان بأرض ساحل جازان رجل أحب امرأة جارة لهم وتعلق قلبه بها ، ذات جمال وخلق وحسب ونسب ، وهو شهم شجاع ذو أصالة عربية لا يعيبه شيء عن أقرانه سوى قلة ذات يده ، تعلق بهذه الفتاة اللعوب ، قائمة القد ، شابة المنظر ، مشرقة البشرة ، لا مثل لها بين نظيراتها من ظباء أرض الساحل حياءً وأدباً ودلالاً ورواءً وهب ما شئت من وصف جمال البدر في رابعة عشر في سماء صافية عليلة النسمات .
شُغِفَ الفؤادُ بِجارة ِ الْجَنْبِ=فَظَللْتُ ذا أسَفٍ وذا كَرْبٍ
يا جارتي أمسيت مالكة=روحي وغالبة على لبي
ولما تعلق المحبان ، لم يكن بدٌّ من الوصلِ والتلاقي ، فهمَّ العاشقُ بضمِّ معشوقته إليه ليمتزجا روحين في جسد واحد ، فتقدم لها قبل أن يتقدم هو رجل من خيرة رجال تلك الرابية ، وكان الناس قديما يعيبون ردَّ الرجال في شيء من ذلك ، لا سيما وهو من خيرتهم خلقاً ونسباً ومالاً وجاهاً ، فزوجها أبوها بذلك الرجل ، فحلت على العاشق الفقير صاعقة زلزلت فؤاده الذبيح ، وطاش عقله وانغلقت نفسه على نفسه فأصبح كالمجنون !
وأدنيتني حتى إذا ما فتنتني=بِقَوْلٍ يَحِلُّ الْعُصْمَ سَهْلَ الأَبَاطِحِ
تجافيت عني حتى لا لي حيلة=وغادرت ما غادرت بين الجوانح
لا يذوق نوماً بهناء ولا طعاما ولا ماء ، فشارف على الهلاك ودب السقم في جسمه وروحه ، ودنت منه رائحة الموت ، وبدأ اليُبْسُ يزحف على جسده حتى جف ماء جلده وبدأت عظامه تبرز كأرض نهر جف ماؤها فبدت صخور قاعه شاهدة على موت نهر كانت الحياةُ لكل شيء في قطرات ماءه !
انتقل أهله به عن تلك البلدة علّه يسلو وينسى ، ولكن هيهات أن يكون ذلك ، فكان يغيب عن الوعي تارة ويستيقظ أخرى ، ينتظر روحه أن تغادر ليصبح أحد قتلى العشق المجنون سرطان المحبين !
أَحِنُّ إلى لَيْلَى وإنْ شَطَّتِ النَّوَى=بليلى كما حن اليراع المنشب
يقولون ليلى عذبتك بحبها=ألا حبذا ذاك الحبيب المعذب
فلما استفحل به الحب ، واستشرى في جسده وروحه عشق تلك الفاتنة ، وزاد به الوجع أصبح لا يدرك شيئا ، ولا يقوى على القعود أو الأكل أو الشرب ، فكان كالجسد الذي خرجت روحه ، غير أنه لا زال به عرق الحياة ينبض !!
فكان أهله يسقونه لبناً بصدفة محار البحر كما كان يسقى الأطفال الصغار آنذاك ، فكانت حظه من هذه الحياة تلك الجرعات اليسيرة التي أبقت على حياته !
إليكَ عَنِّيَ إنِّي هائِمٌ وَصِبٌ=أمَا تَرَى الْجِسْمَ قد أودَى به الْعَطَبُ
لِلّه قلبِيَ ماذا قد أُتِيحَ له=حر الصبابة والأوجاع والوصب
ضاقت علي بلاد الله ما رحبت=ياللرجال فهل في الأرض مضطرب
البين يؤلمني والشوق يجرحني=والدار نازحة والشمل منشعب
كيف السَّبيلُ إلى ليلى وقد حُجِبَتْ=عَهْدي بها زَمَناً ما دُونَهَا حُجُبُ
وأما عشيقته فكان من خبرها عجباً ، فقد تزوجت مكرهة وكان النساء يستعبن رد آبائهن في مثل هذه الأمور ، فتزوجت به على مضض ، وعاشت معه تلك المدة وهي تتلمس أخبار حبيبها وعشيقها ، من رأت فيه قلباً قبل أن يكون زوجاً ، من هوته نفسها وتشبعت عروقها وشعيراتها بكل ما هو جميل فيه على فقره وقلة ذات يده .
أيا بائِعَيْ ليْلَى بِمَكَّة َ ضَلَّة ً=تَبايَعْتما هَلْ يَسْتوِي الثَّمَنانِ
فما غُبِنَ المُبْتاعُ لَيْلَى بِمالِهِ=بل البائعا ليلى هما غبنان
بلغها خبر مرضه ودنوه من الموت ، فعظمت عليها كل صغيرة ، وطاش عقلها وانفلتت كل القيود حولها ، وفي ليلة مظلمة كان زوجها في سفر فأخذت حجابها وغادرت منزلها متوجهة إلى قريته المجاورة ، وهي تبحث كالمجنونة ، حتى وجدته معزولاً في سقيفة ممتداً يستعجل الموت على البقاء المرير !
أَلا هَل لنا من بعد هذا التفرّق=سبيلٌ فيشكو كلّ صبّ بما لقي
وَقد كنت أوقات التزاورِ في الشتا=أبيتُ على جمرٍ من الشوق محرقِ
فَكيفَ وقد أمسيت في حال قطعة=لَقد عجّل المقدور ما كنت أتّقي
تمرُّ الليالي لا أرى البين ينقضي=وَلا الصبر من رقّ التشوّق معتقي
سَقى اللَه أرضاً قد غدت لك منزلاً=بكلّ سكوب هاطل الوبل مغدقِ
" ولادة بنت المستكفي "
فلما رأته أقبلت إليه ، وجلست بجواره ووضعت شالها على وجهه فاستفاق كأنه بعث من جديد وأخذ يستنشق ريحها من ذلك الشال ويهذي باسمها ويقول فلانة من جاء بها هنا وأخذ يضطرب !
كلمته ، فلما عرفها وقد دبت الحياة فيه كما لو خلع عنه ثوب الهزال والمرض وارتدت له العافية من جديد ، قال لها : يا فلانه ما جاء بك ، أنت ابنت ناس والله لا يبرق الفجر إلا وأنت في بيت زوجك ، لا يلحقك بسببي عار ، فإني أموت ولا يمسك أمر يسوؤك !
فتركت شالها له ، وغادرت فلم تصبح إلا في بيت زوجها .
وأما هو فقام يومه ذلك يأكل مع أهله ويتعافى كأنه لم يكن به بأس ، أو كأن به مساً فطار تلك الليلة !
وهي لما عاد زوجها قالت له : أوصلني عند أهلي نسلم عليهم .
قال : أبشري ، وأوصلها في الحال .
فلما وصلت بيت أبيها ، قالت لزوجها ، إرجع أنت فقد زان محلي عند أهلي !
وقالت لأبيها لا أريد فلان ، ووالله إنه لمن خيرة الرجال ، فرد عليه مهره كاملا ، وإن زدته فهو أهل ويستحق ذلك .
حاول أبوها الإصلاح فلم يكن ذلك ، فرد على الرجل مهره وتفارقا بالحسنى .
علم العاشق هناك بالخبر ، وكان له كغيث هلَّ على صحراء مجدبة فرواها ريا أنبت كل ذات إخضرار ، إنها لقيا الأحبة بعد اليأس والشدة ، فقام من حين انقضاء عدتها ، وأخذ وجهاء قبيلته وذهب لأبيها خاطباً لها ، فوافق أبوها على أن يردَّ عليه المهر الأول الذي أعاده لزوجها السابق ويمهرها مهرا مستقلاً .
سرَّ جماعته من قبيلته ، فاجتهدوا معه ، وتعاونوا في تزويجه ، وجمعوا له ما تيسر ، وقدمه مهراً لها ، وتزوجها ، وأنجبت له خمسة أبناء ، قال والد أبا مالك : أنا أعرفهم وهم بيننا ولولا الستر وما يعتري بعض الناس من ذلك لأسميتهم لكم.
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما=يظنان كل الظن ألا تلاقيا
هذه من أعجب القصص من واقع معاصر ، فلله كم هو العشق يقتل أصحابه ، ولله كم هي العفة والأخلاق تزين أصحابها ، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ، ولم في القصص عبر يا ذوي الحجا.
ملاحظة:
صغت القصة أدبياً في محاولة لرسم المعنى الجميل لهذه القصة الواقعية، الأبيات كلها لقيس المجنون عدا مقطوعة واحدة لولادة بنت المستكفي ، وأستفيد من ملاحظاتكم ورؤاكم لا حرمني الله منكم أبد الأبدين في الدنيا على المحبة الصادقة والأخوة الحقيقية وفي الآخرة في جنات النعيم بجوار سيد المرسلين وضيافة أرحم الرحمين.
وصايا:
- لا تعلق قلبك بغير الله تعالى .
- غض بصرك تحفظ قلبك .
- تذوقوا اللغة والشعر العربي لتستعينوا على فهم كتاب الله تعالى .
محبكم
أبو الأيهم